أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

109

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أن يكون منسوقا على « رَسُولًا » قال : « لأنه لو كان مردودا عليه لقال : « ومصدّقا لما بين يديك » لأنه خاطب بذلك مريم ، أو قال : بين يديه » يعني أنه لو كان معطوفا على « رَسُولًا » لكان ينبغي أن يؤتى بضمير الخطاب مراعاة لمريم أو بضمير الغيبة مراعاة للاسم الظاهر . قال الشيخ « 1 » : « وقد ذكرنا أنه يجوز في « وَرَسُولًا » أن يكون منصوبا بإضمار فعل أي : وأرسلت رسولا » فعلى هذا التقدير يكون « مُصَدِّقاً » معطوفا على « رَسُولًا » . قوله : مِنَ التَّوْراةِ فيه وجهان : أحدهما : أنه حال من « ما » الموصولة أي : الذي بين يديّ حال كونه من التوراة ، فالعامل فيه « مُصَدِّقاً » لأنه عامل في صاحب الحال . والثاني : أنه حال من الضمير المستتر في الظرف الواقع صلة ، والعامل فيه الاستقرار المضمر في الظرف أو نفس الظرف لقيامه مقام الفعل . قوله : وَلِأُحِلَّ فيه أوجه : أحدها : أنه معطوف على معنى « مُصَدِّقاً » إذ المعنى : جئتكم لأصدّق ما بين يديّ ولأحلّ لكم ، ومثله من الكلام : « جئته معتذرا إليه ولأجتلب رضاه ، أي : جئت لأعتذر ولأجتلب ، كذا قال الواحدي وفيه نظر ، لأن المعطوف عليه حال ، وهذا تعليل . قال الشيخ « 2 » : بعد أن ذكر هذا الوجه : « وهذا هو العطف على التوهّم وليس هذا منه ، لأن معقولية الحال مخالفة لمعقولية التعليل ، والعطف على التوهم لا بد أن يكون المعنى متّحدا في المعطوف والمعطوف عليه ، ألا ترى إلى قوله : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ « 3 » كيف اتّحد المعنى من حيث الصلاحية لجواب التخصيص ، وكذلك قوله : 1309 - تقيّ نقيّ لم يكثّر غنيمة * بنهكة ذي قربى ولا بحقلّد « 4 » كيف اتّحد معنى النفي في قوله : « لم يكثّر » وفي قوله : « ولا بحقلّد » أي : ليس بمكثر ولا بحقلد ، وكذلك ما جاء منه » . قلت : ويمكن أن يريد هذا القائل أنه معطوف على معنى « مُصَدِّقاً » أي : بسبب دلالته على علة محذوفة هي موافقة له في اللفظ فنسب العطف على معناه باعتبار دلالته على العلة المحذوفة لأنها تشاركه في أصل معناه ، أعني مدلول المادة وإن كانت دلالة الحال غير دلالة العلة . الثاني : أنه معطوف على علة مقدرة أي : جئتكم بآية لأوسّع عليكم ولأحلّ ، أو لأخفّف عنكم ولأحلّ ونحو ذلك . الثالث : أنه معمول لفعل مضمر لدلالة ما تقدّم عليه أي : وجئتكم لأحلّ ، فحذف العامل بعد الواو .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 468 . ( 2 ) انظر البحر المحيط 2 / 468 . ( 3 ) سورة المنافقون ، آية ( 10 ) . ( 4 ) تقدم .